*بقلم: ناجي علي أمهز*
هذا المقال ليس دفاعا عن "حزب الله" من زاوية طائفية، بل من زاوية "الضرورة الوطنية والوجودية" لاستقرار لبنان. هو مقال "اشتباك فكري" يسعى لترميم الجسور في وقت الانقسام الحاد.
لذلك نكرر هذا الكلام للمرة الثالثة، وسنكرره مئات المرات: إن حماية حزب الله هي مسؤولية تقع على عاتق أركان الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي على حد سواء. فحتى الدول التي تكنّ له العداء في العمق، تجد نفسها مضطرة سياسياً للتوقف عند حدود معينة تفرضها مقاييس السياسة العالمية؛ فالأمر لا يتعلق بثار شخصي أو صراع صفري يؤدي إلى الفناء، بل إن تجاوز المقاييس الوجودية في صراعات الأمم –حتى في الحروب العالمية– يحول النزاع إلى جرائم حرب تدمر القيم وتفتت الدول وتؤدي إلى انهيار النظام العالمي. إن القوة في المفهوم الاستراتيجي لا تعني الإلغاء، بل تهدف إلى الاحتواء والمضي قدماً، فالعالم الذي يحتضن مليارات البشر لم يوجد ليكون ذا توجه واحد، ولن يكون كذلك مهما تعظمت قوة الدول، لأن التعددية هي سنة كونية وجزء أصيل من دائرة الحياة التي لا تتوقف.
وفي هذا السياق، جاء كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأمس واضحاً حين أشار إلى إمكانية تدخل أمريكا والاستعانة بالسوريين للقضاء على حزب الله، وهو خطاب يبدو وكأنه يعيد التاريخ إلى الوراء. ففي عام 1976، أعلنت أمريكا في الغرف المغلقة –مستفيدة من دعوات بعض اللبنانيين آنذاك– أنها ستستعين بالإسرائيليين والسوريين للقضاء على الوجود الفلسطيني. وبالفعل، تم ترحيل الفلسطينيين بعد سنوات، لكن النتيجة كانت وقوع لبنان تحت احتلالين: إسرائيلي امتد من الجنوب إلى بيروت، وسوري امتد من الشمال إلى العاصمة، ليبقى اللبنانيون في الوسط بين فكي كماشة دمرت مقومات الوطن، ولم يتنفسوا الصعداء إلا بعد عقود، مع تحرير الجنوب عام 2000 وخروج السوريين عام 2005. إن انتهاء ذاك الكابوس ترك اللبنانيين أمام انقسام حاد نعيش تداعياته المرة اليوم، وهو ما يدفعنا للتساؤل: من يضمن ألا يتكرر المشهد بصورة تؤدي إلى زوال لبنان نهائياً وتقاسمه بين قوى جديدة؟ خاصة وأن القادمين من سوريا قد لا يكونون سوريين في غالبيتهم، بل خليطاً من جنسيات بلقانية وشيشانية وقوقازية جهادية.
ثم ان السوريين انفسهم خاصة اهل الشام وحلب اضافة الى المتصوفين باتوا يختنقون من التشدد الديني الوافد على سوريا، وهناك دعوات حقيقية من اهالي حلب للانضمام الى تركيا هربا منه، وما كلام والد الرئيس احمد الشرع الا تأكيدا بان سوريا لم تعد تشبه سوريا التي يعرفها الجميع، كما ان الفن والثقافة السورية بدات تشعر بفقدان وهجها وابداعها بعد ان كانت تنافس عواصم الفن والثقافة العالمية.
إن ترامب وإسرائيل سيستفيدون حتماً من هذه الحرب، كونها تضرب في نظرهم عصفورين بحجر واحد: القضاء على الوجود الشيعي الممانع والمتشددين الإسلاميين في سوريا معاً، كما أن عودة العنف إلى الساحة السورية قد تخدم مصالح إقليمية أخرى، لكن السؤال الجوهري يبقى: ماذا سيستفيد لبنان؟
كما أثبتت الايام ان اسرائيل منيعة ومحصنة ضد الحروب والمتغيرات الاقليمية، وامريكا تتواجد في قارة منفصلة تماما عن قارة اسيا واوروبا، لكن الاوروبيين ماذا سيستفيدون بحال وصل الاسلام المتطرف الى لبنان واصبح قاب قوسين من حدودهم، فمن يحمي اوروبا العجوز مما هو قادم، التعقيدات والغايات والاهداف اكبر من حرب على حزب الله.
إن محاولة اقتلاع المكون الشيعي تشبه تماماً اقتلاع أشجار الكرز التي دأب الموارنة على زراعتها حول أشجار التفاح في الجبال العالية والقاسية؛ لتكون حائط صد يحمي المواسم من الثلوج والصقيع والعواصف. فحزب الله، في جوهره، حزب لبناني المنشأ والمنطلق، توجه إلى من يدعمه من أجل تحرير أرضه وإنقاذ بيئته وأهله، وقد قدم تضحيات جسيمة وحقق انتصار أيار ودافع عن لبنان في مراحل مفصلية كادت أن تغرق البلاد في فوضى عارمة لولا وجوده.
إن توجه الحزب نحو إيران لا يختلف في سياقه التاريخي عن توجه المسيحيين نحو الغرب طلباً للحماية، أو توجه المناضلين الفلسطينيين أو الحركات السنية نحو دول تدعمهم.
الشيعة لا يشكلون تهديدا وجوديا لاحد، كون أدبياتهم الدينية والاجتماعية تلغي مبدأ "التكفير"، لذا انحصرت حروبهم ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد الجماعات التي تكفرهم دينيا. وأمام هذا الواقع، رأينا كيف أن الموحدين الدروز في سوريا –وهم من أنقى الأعراق العربية– اضطروا في لحظة وجودية قاسية للجوء إلى خيارات صعبة لحماية أنفسهم من الإبادة حين هاجمهم المتشددين والغرباء، رغم تاريخهم الوطني المشرف في تحرير سوريا من الانتداب الفرنسي.
وبالرغم من تقاطع المصالح العقائدية والسياسية مع إيران، فقد أثبتت الوقائع ما أكده الشهيد السيد حسن نصر الله مراراً بأن قرار الحزب في الداخل اللبناني هو قرار وطني مستقل، وهو ما اعترف به كبار ساسة لبنان مؤخراً. وسيشهد التاريخ لاحقاً أن الحزب في عهد الشيخ نعيم قاسم حافظ على هذه الاستقلالية الوطنية، لكن الخشية تكمن في أن يأتي هذا الاعتراف متأخراً، حين نجد أنفسنا مشتتين في "العالم الجديد"، مجرد أرقام في دفاتر الأمم المتحدة بعد أن نكون قد تخلينا عن دورنا في حماية وطننا.
إن حزب الله اليوم ضرورة وجودية للدولة وللطائفة الشيعية؛ ففي وقت نرى فيه الحزب يبذل الدماء على الحدود، نراه أيضاً هو من يسقي النازحين ويؤمن احتياجاتهم في قلب المحنة. إن لبنان يمر بنكبة، ولا يجوز للخلافات السياسية أن تعمينا عن حقيقة أن المكاسب اللفظية لا قيمة لها أمام تدمير الوطن.
لذا، يجب أن تكون الدعوة الدائمة هي الحوار، وأن يراعي المعافى أخاه الجريح، لننتصر لإنسانيتنا وثقافتنا اللبنانية، ونحفظ لبنان بمساحته الكاملة 10452 كلم مربع، لتكون الدولة هي البذرة الصالحة التي تنبت أرزة شامخة تمتد لمئات السنين القادمة.



